
على مدى ثلاث سنوات، كان البقاء في المكان هو الخيار المنطقي لمستأجري دبي، إذ كان الانتقال يعني في الغالب دفع مبلغ أكبر. لكن المعادلة انقلبت. فقد تجاوزت عقود الإيجار الجديدة عمليات التجديد بفارق 633 عقداً في يوليو و2,139 عقداً في أغسطس، وهما أول شهرين تتقدم فيهما العقود الجديدة منذ بدء سلسلة البيانات في يناير 2023، لتنتهي بذلك سلسلة من 36 شهراً متتالياً في الاتجاه المعاكس. والأرقام مستمدة من تسجيلات دائرة الأراضي والأملاك في دبي وفق تحليل شركة «فام العقارية»، وهي ترسم صورة سوق إيجاري لم يعد فيه الخيار الأرخص هو الشقة التي تسكنها أصلاً.
حجم الفجوة
بلغ متوسط إيجار العقد الجديد للشقة 94.6 درهماً للقدم المربعة في أغسطس، بانخفاض 8.3% عن ذروة أكتوبر 2025 التي سجلت 103.1 درهماً. أما قيم التجديد فلم تتحرك تقريباً، بانخفاض نحو 1% فقط. والسبب أن مؤشر الإيجارات في دبي يحدّ من مقدار الزيادة التي يمكن للمالك فرضها على مستأجر قائم، لكنه لا يعيد تجديداً مبالغاً فيه إلى مستوى السوق. والنتيجة فارق يقارب 15.3% بين ما يُطلب من المستأجر الحالي وما ستكلفه الشقة نفسها بعقد جديد. ويقولها فراس المسدي، مؤسس «فام العقارية»، بوضوح: يستطيع المستأجر اليوم أن ينتقل إلى شقة مماثلة بأقل من كلفة تجديد عقده.
إلى أين ينتقل المستأجرون فعلاً
يتركّز هذا التحوّل في المناطق التي تشهد أكبر قدر من المعروض الجديد. ففي أغسطس، تجاوزت العقود الجديدة عمليات التجديد بفارق 1,102 عقد في البرشاء جنوب الرابعة التي تضم «جميرا فيلدج سيركل»، ثم 609 عقود في الخليج التجاري، و598 في المرقد، و564 في مرسى دبي التي تضم «دبي مارينا»، و342 في وسط مدينة دبي. ويتراوح متوسط الإيجار السنوي في هذه المناطق بين 70 ألف درهم في «جميرا فيلدج سيركل» و99,900 درهم في الخليج التجاري و120 ألف درهم في «دبي مارينا». وفي المقابل، لا تزال التجديدات متقدمة في ورسان الأولى التي تضم «المدينة العالمية»، وكذلك في جبل علي الأولى وند حصة في واحة دبي للسيليكون، وهي الشرائح الأقل كلفة حيث لم تتسع الفجوة بالقدر نفسه.
لماذا يحدث ذلك وما التالي
المحرّك هو المعروض. فنحو 47 ألف وحدة مقررة للتسليم في النصف الثاني من 2026، مع 162,500 وحدة متوقعة في 2027 و128,200 في 2028، وتستحوذ الشقق على 82.5% من تسليمات هذا النصف، وهي مركّزة تحديداً في ممرات النمو التي يبحث فيها المستأجرون اليوم. وبالنسبة إلى المالك، تتغيّر الحسابات: التجديد المحتفظ به بعناد فوق مستوى السوق لم يعد يحمي الدخل، بل يدعو إلى الشغور، وشهر أو شهران من الفراغ يكلّفان أكثر مما كانت الزيادة تستحق. أما المستثمر، فتتقدّم لديه نسبة الإشغال والحفاظ على المستأجر على قيمة الإيجار المعلنة.
لا شيء في ذلك ينبئ بانهيار سوق الإيجار في دبي؛ فعوائد الشقق تدور حول 7%، والطلب يتجدد مع نمو سكان المدينة. ما تغيّر هو القوة التفاوضية. فالمستأجرون الذين جدّدوا تلقائياً ثلاث سنوات لديهم اليوم سبب لمراجعة السوق قبل التوقيع، وللمالكين سبب لحساب التجديد كما لو أن المستأجر قد يرحل. لأنه بات يرحل أكثر فأكثر.



